ليست النكبة الفلسطينية حدثًا تاريخيًا انتهى في الخامس عشر من أيار عام 1948، وليست مجرد ذكرى نستحضرها كل عام عبر الصور والروايات والشهادات. النكبة بالنسبة للفلسطيني هي واقع يومي مستمر، يعيشه اللاجئ في المخيم، والمغترب في المنافي، والطفل الذي يكبر تحت القصف والحصار، والأم التي تنتظر أبناءها على الحواجز أو تحت ركام البيوت المدمرة. إنها معاناة متجددة تتجسد في تفاصيل الحياة اليومية؛ في انقطاع الكهرباء والمياه، وفي البطالة والفقر، وفي ضياع الفرص، وفي الخوف الدائم من القتل أو التهجير أو الاقتلاع من الأرض والهوية.
ومن هنا، فإن فهم النكبة لا يمكن أن يقتصر على كونها حادثة تاريخية، بل يجب النظر إليها باعتبارها مشروعًا استعماريًا مستمرًا بأدوات وأساليب مختلفة. فالمشروع الصهيوني لم يبدأ عام 1948، بل تعود جذوره إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين انعقد مؤتمر بازل في سويسرا، ووضعت الحركة الصهيونية العالمية أسس إقامة كيان استيطاني في فلسطين يخدم المصالح الغربية ويشكّل قاعدة متقدمة في قلب العالم العربي. ثم جاء وعد بلفور ليمنح هذا المشروع غطاءً سياسيًا وقانونيًا من قوة استعمارية كبرى، قبل أن تعمل سلطات الانتداب البريطاني على تسهيل الهجرة اليهودية وتسليح العصابات الصهيونية وقمع الشعب الفلسطيني.
وكانت فلسطين، قبل النكبة، وطنًا حيًا نابضًا بالحضارة والثقافة والاقتصاد، وليست “أرضًا بلا شعب” كما روّجت الدعاية الصهيونية. فقد كانت مدن مثل القدس ويافا وحيفا مراكز ثقافية وتجارية مزدهرة، وشهد المجتمع الفلسطيني حالة من الاستقرار والتنوع والانفتاح. لكن العصابات الصهيونية ارتكبت المجازر وعمليات التطهير العرقي، فدمرت مئات القرى الفلسطينية، وهجّرت أكثر من 750 ألف فلسطيني من أرضهم، في واحدة من أكبر جرائم التهجير القسري في العصر الحديث.
ورغم حجم المأساة، لم يتوقف الشعب الفلسطيني عن مقاومة الاحتلال والدفاع عن حقوقه الوطنية. فقد تنوعت أدوات النضال الفلسطيني عبر العقود، من العمل الفدائي إلى الانتفاضات الشعبية، ومن المواجهة السياسية والدبلوماسية إلى النضال الثقافي والإعلامي. وفي المقابل، استمر الاحتلال في سياساته القائمة على الاستيطان وتهويد القدس والحصار والحروب، خصوصًا على قطاع غزة، إلى جانب استهداف الهوية الوطنية والرواية الفلسطينية، ومحاولة تصفية قضية اللاجئين وحق العودة.
ومع استمرار النكبة، أصبحت المعركة اليوم ليست فقط معركة أرض وحدود، بل أيضًا معركة رواية ووعي. فالاحتلال أدرك مبكرًا أهمية السيطرة على الإعلام وصناعة الصورة، وسعى إلى تقديم نفسه للعالم باعتباره “الضحية”، بينما جرى تشويه صورة الفلسطيني وتجريده من إنسانيته وحقوقه. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا مهمًا في هذا المجال، حيث بدأت الرواية الفلسطينية تفرض حضورها عالميًا، مستفيدة من الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن قدرة الفلسطينيين والمتضامنين معهم على نقل الحقيقة بالصوت والصورة.
وقد شكّلت عملية “طوفان الأقصى” وما تلاها من حرب إبادة جماعية على قطاع غزة محطة مفصلية في هذا التحول. فرغم حجم الدمار والقتل والمجازر التي ارتكبها الاحتلال، فإن صور الأطفال تحت الأنقاض، والمستشفيات المدمرة، ومعاناة المدنيين، كشفت للعالم حقيقة ما يجري في فلسطين، وأسهمت في انهيار جزء كبير من السردية الصهيونية التقليدية. ولأول مرة منذ عقود، خرجت الملايين في عواصم العالم دفاعًا عن فلسطين، وارتفعت الأصوات داخل الجامعات ووسائل الإعلام الغربية ضد الاحتلال وسياساته.
لقد أثبتت هذه المرحلة أن الرواية الفلسطينية تمتلك قوة هائلة عندما تُقدَّم بصدق ومهنية، وعندما تصل إلى شعوب العالم بلغاتهم وبأدوات العصر الحديثة. فالمعركة اليوم لم تعد تقتصر على ساحات المواجهة العسكرية، بل أصبحت معركة على الوعي العالمي، وعلى تشكيل الرأي العام الدولي، وعلى كشف حقيقة الاستعمار والاستيطان والفصل العنصري الذي يمارسه الاحتلال.
ومن هنا، تبرز أهمية الاستثمار في السردية الفلسطينية بوصفها أحد أهم عناصر النضال الوطني. ويتطلب ذلك دعم الإعلام الفلسطيني المستقل، وتشجيع الشباب على إنتاج محتوى مهني بلغات متعددة، وتوثيق الذاكرة الفلسطينية وحماية الرواية التاريخية من التزييف، إلى جانب دعم الفن والأدب والسينما والأعمال الوثائقية التي تنقل التجربة الفلسطينية إلى العالم. كما يتطلب بناء شبكات تضامن دولية، وتعزيز حملات المقاطعة، وتوسيع الحضور الفلسطيني في الجامعات ومراكز الأبحاث ووسائل الإعلام العالمية.
وفي هذا السياق، يقع على عاتق الشباب الفلسطيني دور أساسي في حماية الهوية الوطنية وتحويل الوعي إلى فعل منظم ومستدام. فالشباب اليوم يمتلكون أدوات التأثير الحديثة، وقادرون على الوصول إلى العالم بشكل مباشر، بعيدًا عن احتكار المؤسسات الإعلامية التقليدية. ومن خلال المعرفة والتنظيم والعمل الجماعي، يمكن تحويل التعاطف العالمي مع فلسطين إلى قوة ضغط سياسية وثقافية وإنسانية حقيقية.
ختامًا، تبقى النكبة مستمرة ما دام الاحتلال قائمًا، لكن الثابت أيضًا أن الشعب الفلسطيني ما زال متمسكًا بحقوقه الوطنية والتاريخية، وفي مقدمتها حق العودة والحرية والاستقلال. كما أن السنوات الأخيرة أثبتت أن الرواية الفلسطينية لم تعد محاصرة كما كانت، بل أصبحت أكثر حضورًا وتأثيرًا في وجدان شعوب العالم. وهذه لحظة تاريخية يجب البناء عليها، من خلال تحويل السردية الفلسطينية إلى مشروع عالمي للدفاع عن العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، حتى ينال الشعب الفلسطيني حقه الكامل في وطنه وحريته ومستقبله.
