ثلاث سنوات مرّت على 7 أكتوبر، لكن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا حدث في ذلك اليوم؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا فعل 7 أكتوبر بالقضية الفلسطينية؟ وماذا فعل بالفلسطينيين أنفسهم؟
فالحدث الذي هزّ المنطقة والعالم لم يأتِ من فراغ، ولم يولد في صباح السابع من أكتوبر ثم انتهى بانتهاء ساعاته الأولى. كان انفجارًا في سياق طويل من الاحتلال والحصار والاستيطان والاقتحامات والتهجير ومصادرة الأرض، ومن انسداد سياسي طال حتى بدا للكثيرين أن القضية الفلسطينية يمكن إبقاؤها معلقة إلى أجل غير مسمى، فيما يعاد ترتيب المنطقة من حولها.
ولهذا، فإن واحدة من أخطر محاولات اختزال 7 أكتوبر هي أن يُعامل باعتباره بداية الحكاية.
فالحكاية الفلسطينية لم تبدأ في ذلك الصباح.
بدأت قبل ذلك بعقود، يوم اقتُلع الفلسطيني من أرضه، ويوم تحولت فلسطين من وطن إلى قضية لاجئين، ويوم أصبح الاحتلال واقعًا يوميًا تتوارثه أجيال كاملة. ثم جاءت عقود أخرى من الحروب والمقاومة والاستيطان والحصار والمفاوضات والانتفاضات، وصولًا إلى واقع فلسطيني شديد التعقيد: أرض تتآكل، ومدينة مقدسة تتعرض لمحاولات تغيير هويتها، وغزة تعيش تحت حصار طويل، وأسرى يقبعون خلف القضبان، وانقسام فلسطيني ينهك الجسد الوطني، ونظام سياسي فقد قدرته على إنتاج حل حقيقي.
من هنا يجب أن يبدأ النقاش.
لأن تحديد نقطة البداية ليس مسألة زمنية بريئة.
إنه جزء من المعركة نفسها.
إذا بدأت القصة في 7 أكتوبر، يصبح كل ما سبق مجرد خلفية بعيدة، ويصبح ما جاء بعده «ردًا» على ذلك اليوم.
أما إذا وضعت 7 أكتوبر في سياقه التاريخي والسياسي، فإن الصورة تصبح أكثر تعقيدًا: حدث فلسطيني هائل جاء بعد سنوات من تراكم أسباب الانفجار، ثم فتح بدوره مرحلة جديدة من الصراع لم يعد بالإمكان التعامل معها بالأدوات القديمة.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية ذلك اليوم.
لم يكن 7 أكتوبر مجرد عملية عسكرية غيّرت حسابات الأمن في المنطقة. لقد كسر، ولو مؤقتًا، حالة سياسية كاملة كانت تتعامل مع فلسطين باعتبارها قضية يمكن إدارتها بدل حلها، وملفًا يمكن تأجيله بدل مواجهة جذوره.
كان العالم العربي يعيد ترتيب علاقاته، وكانت مشاريع التطبيع تتقدم، وكانت القضية الفلسطينية تتراجع في سلم الأولويات الدولية، حتى بدا أن فلسطين يمكن أن تبقى في الخلفية بينما تُرسم خرائط جديدة للمنطقة.
ثم جاء 7 أكتوبر ليعيد السؤال الفلسطيني إلى الواجهة، وبقوة لم يكن أحد يتوقعها.
فجأة عادت غزة إلى صدر المشهد، وعادت القدس والأقصى والاستيطان والاحتلال والأسرى واللاجئون إلى النقاش الدولي، وعاد السؤال الذي حاولت السياسة الدولية طويلًا الالتفاف حوله:
ماذا عن الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره؟
لكن المفارقة أن استعادة القضية لمركزيتها جاءت بثمن إنساني هائل.
فبعد ذلك اليوم، دخلت غزة حربًا مفتوحة، وتحولت الحياة اليومية لمئات آلاف الفلسطينيين إلى مأساة متواصلة من القتل والنزوح والدمار والجوع والخوف. وأصبح الفلسطيني، مرة أخرى، يقاتل على جبهتين: جبهة الميدان، وجبهة الرواية.
وهنا بدأت معركة أخرى لا تقل خطورة عن المعركة العسكرية.
معركة الرواية
في الحروب، لا تُصنع الحقيقة دائمًا في الميدان وحده.
هناك حرب أخرى تجري في غرف الأخبار، وعلى الشاشات، وفي العناوين، وفي اختيار الكلمات والصور، وفي السؤال البسيط ظاهريًا: من أين تبدأ القصة؟
حين تبدأ القصة من 7 أكتوبر فقط، يصبح الفلسطيني هو الذي ظهر فجأة في المشهد، وتختفي خلف الصورة عقود من الاحتلال والحصار والاستيطان والتهجير.
وحين تُعرض معاناة طرف بتفاصيلها الإنسانية الكاملة، بأسماء الضحايا وقصص عائلاتهم وصور أطفالهم، بينما تتحول معاناة الطرف الآخر إلى أرقام مجردة، فإن الانحياز لا يحتاج إلى تصريح.
يكفي أن تختلف طريقة الحكي.
فالإعلام لا يصنع الرواية بالكذب فقط؛ أحيانًا يصنعها بما يختار أن يقوله، وبما يختار ألا يقوله.
وهنا تصبح اللغة نفسها جزءًا من المعركة.
من هو «الضحية»؟
من هو «المعتدي»؟
من «يدافع عن نفسه»؟
من «يرد»؟
ومن الذي يُسأل عن أفعاله، ومن الذي تُبحث له عن المبررات؟
هذه ليست تفاصيل لغوية.
إنها صناعة للوعي.
ولذلك كانت معركة 7 أكتوبر، منذ ساعاتها الأولى، معركة على تفسير الحدث قبل أن تكون معركة على نتائجه.
لكن أخطر ما في هذه المعركة هو اقتطاع الحدث من سياقه.
فحين يصبح التاريخ كله جملة واحدة تبدأ في السابع من أكتوبر، تختفي من المشهد كل السنوات التي سبقت ذلك اليوم: الحصار، الاستيطان، اقتحامات الأقصى، الاعتداءات في الضفة، مصادرة الأراضي، الاعتقالات، انسداد الأفق السياسي، وتراجع القضية الفلسطينية إلى مرتبة الملف المؤجل.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:
هل يمكن أن نطلب من الفلسطيني أن يعيش بلا نهاية تحت الاحتلال، ثم نتفاجأ عندما ينفجر؟
هذا لا يعني أن التاريخ يمنح أي طرف شيكًا مفتوحًا، ولا يعني أن كل ما حدث في 7 أكتوبر يمكن اختزاله في رواية واحدة أو إعفاؤه من النقاش الأخلاقي والسياسي والقانوني.
لكن فهم الحدث شيء، وتبرير كل ما جرى بعده شيء آخر.
والخلط بين الاثنين هو أحد أسباب عجز العالم عن رؤية الصورة كاملة.
ما الذي كشفه 7 أكتوبر عن الفلسطينيين؟
ربما يكون هذا السؤال أكثر إيلامًا من كل الأسئلة الأخرى.
لأن 7 أكتوبر لم يكشف فقط هشاشة منظومة الأمن في الكيان الصهيوني، ولم يكشف فقط حدود القوة العسكرية والتفوق التكنولوجي.
لقد كشف أيضًا أزمة البيت الفلسطيني نفسه.
فالفلسطينيون دخلوا هذه المعركة وهم منقسمون سياسيًا وجغرافيًا، ومؤسساتهم الوطنية تعاني أزمة شرعية وتجديد، والانتخابات غائبة، ومنظمة التحرير التي يفترض أن تكون الإطار الجامع لكل الفلسطينيين لم تعد تؤدي الدور الذي يتطلبه حجم القضية وتحدياتها، فيما بقي المجلس الوطني بعيدًا عن التجديد الديمقراطي الحقيقي.
وهنا تبرز المفارقة المؤلمة:
حدث بحجم 7 أكتوبر أعاد رسم كثير من معادلات الصراع، بينما بقي النظام السياسي الفلسطيني أسير كثير من معادلات ما قبل 7 أكتوبر.
وهذا ليس تفصيلًا.
لأن القضية التي تواجه احتلالًا يمتلك دولة وجيشًا ومؤسسات وتحالفات دولية، لا تستطيع أن تبقى بلا مؤسسة وطنية جامعة قادرة على إنتاج القرار والتمثيل والمساءلة.
السؤال لم يعد فقط: من يقاوم؟
بل أيضًا:
من يمثل الشعب الفلسطيني؟
من يمثل غزة؟
من يمثل الضفة؟
من يمثل القدس؟
من يمثل اللاجئين؟
من يمثل الفلسطينيين في الشتات؟
ومن يمثل الفلسطينيين في الداخل؟
ومن يملك حق اتخاذ القرار في مستقبل القضية الفلسطينية؟
هذه الأسئلة لم يصنعها 7 أكتوبر، لكنها خرجت بعده من الظل إلى العلن.
ولعل أخطر ما كشفه الحدث أن الفلسطينيين بحاجة إلى أكثر من رد فعل على الاحتلال؛ هم بحاجة إلى إعادة بناء مشروعهم الوطني نفسه.
مشروع لا تختصره سلطة، ولا فصيل، ولا جغرافيا، ولا مرحلة تفاوضية.
مشروع يستعيد معنى فلسطين بوصفها قضية شعب كامل، أينما كان موقعه.
من إدارة الصراع إلى محاولة حل القضية
لسنوات طويلة، تعامل العالم مع القضية الفلسطينية بمنطق إدارة الصراع.
تهدئة هنا.
مساعدات هناك.
مفاوضات مؤجلة.
اجتماعات دولية.
بيانات دبلوماسية.
ثم يعود كل شيء إلى مكانه.
لكن المشكلة أن الصراع لم يكن يختفي.
كان يتراكم.
كل مستوطنة جديدة كانت تضيف طبقة إلى الأزمة.
كل بيت يُهدم.
كل أرض تُصادر.
كل أسير يدخل السجن.
كل اقتحام للأقصى.
كل عائلة فلسطينية تفقد أحد أبنائها.
كل جولة حرب في غزة.
كل جولة تفاوض تنتهي بلا نتيجة.
كل ذلك كان يبني شيئًا تحت سطح الهدوء الظاهري.
ثم انفجر.
لهذا فإن العودة إلى منطق إدارة الصراع بعد 7 أكتوبر لن تكون سوى محاولة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء.
والسؤال الحقيقي ليس كيف نعيد الهدوء فقط.
بل:
كيف ننهي الأسباب التي تجعل الانفجار ممكنًا ومتكررًا؟
وهنا يصبح الحديث عن الدولة الفلسطينية وحده غير كافٍ إذا لم يترافق مع معالجة جوهر القضية: الاحتلال، والقدس، واللاجئون، والاستيطان، وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، وإعادة بناء تمثيل فلسطيني حقيقي.
بعد 7 أكتوبر… أي فلسطين نريد؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأصعب.
فقد مضى وقت كافٍ منذ 7 أكتوبر يسمح للفلسطينيين بأن ينظروا إلى الصورة من مسافة أبعد من الصدمة الأولى.
وإذا كان ذلك اليوم قد أعاد فلسطين إلى قلب العالم، فإن المسؤولية الفلسطينية اليوم هي ألا تسمح بعودة القضية إلى الهامش بعد انتهاء الحرب.
لا يكفي أن تبقى فلسطين حاضرة في نشرات الأخبار.
المطلوب أن تعود فلسطين إلى مؤسساتها وقرارها الوطني وتمثيلها السياسي.
وإذا كان 7 أكتوبر قد كشف هشاشة منظومة الاحتلال أمام حدث لم تتوقعه، فإنه كشف في الوقت نفسه هشاشة النظام السياسي الفلسطيني أمام مرحلة تحتاج إلى إعادة تأسيس كاملة.
وهنا لا بد من قول ما قد لا يكون مريحًا:
المعركة على المستقبل لا يمكن أن تُخاض بعقلية الماضي.
لا يمكن أن تبقى شرعية التمثيل الفلسطيني معلقة إلى ما لا نهاية.
ولا يمكن أن يبقى الشعب الفلسطيني موزعًا بين مؤسسات متنافسة، فيما قضيته تدخل أخطر مراحلها.
ولا يمكن أن يكون الحديث عن الوحدة الوطنية شعارًا موسميًا يظهر بعد كل كارثة ثم يختفي مع أول خلاف سياسي.
الوحدة التي تحتاجها فلسطين ليست صورة جماعية أمام الكاميرات.
إنها إعادة بناء حقيقية للبيت الفلسطيني.
انتخابات.
تمثيل.
مؤسسات.
مساءلة.
تجديد للشرعية.
وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير بوصفها إطارًا وطنيًا جامعًا، لا مجرد عنوان تاريخي.
7 أكتوبر لم ينتهِ
ثلاث سنوات بعد ذلك اليوم، ما زال 7 أكتوبر حاضرًا.
ليس فقط في ذاكرة من عاشوا ساعاته، ولا في صور الحرب والدمار، ولا في الجدل السياسي الذي رافقه.
إنه حاضر لأنه غيّر سؤالًا كاملًا.
قبل 7 أكتوبر كان السؤال الدولي في كثير من الأحيان: كيف نحافظ على الهدوء؟
بعده أصبح السؤال: كيف يمكن أن يستمر هذا الصراع بهذه الصورة أصلًا؟
لكن تغيير السؤال لا يعني أن الإجابة أصبحت جاهزة.
فالحدث قد يكسر معادلة، لكنه لا يبني وحده بديلًا عنها.
وقد يفتح نافذة تاريخية، لكن تحويل النافذة إلى طريق يحتاج إلى مشروع وطني وإرادة سياسية ومؤسسات قادرة على حمله.
ولهذا، فإن الاختبار الحقيقي لـ7 أكتوبر لم يكن فقط في ما حدث في ذلك اليوم.
الاختبار الحقيقي هو ما الذي سيفعله الفلسطينيون بهذا اليوم.
هل سيبقى تاريخًا عسكريًا في سجلات الصراع؟
أم يتحول إلى لحظة مراجعة فلسطينية شاملة؟
هل سيبقى العالم يتحدث عن غزة فقط عندما تنفجر الحرب؟
أم تصبح فلسطين قضية سياسية وحقوقية لا يمكن تجاوزها؟
هل ستبقى معركة الفلسطينيين على الرواية مجرد رد فعل على الرواية المضادة؟
أم يستطيع الفلسطيني أن يستعيد حقه في كتابة روايته بنفسه؟
والأهم:
هل يستطيع الفلسطينيون أن يحولوا لحظة كسر المعادلة إلى مشروع وطني جديد، يعيد بناء التمثيل والقرار، ويجمع غزة والضفة والقدس والداخل والشتات واللاجئين في إطار سياسي واحد؟
ربما هنا تكمن الإجابة التي لم تُكتب بعد.
فـ7 أكتوبر لم يكن نهاية مرحلة فحسب، ولم يكن بداية مرحلة مكتملة الملامح.
كان صدمة كشفت كل شيء تقريبًا: قوة الاحتلال وحدود القوة، مركزية فلسطين رغم محاولات تهميشها، قوة الرواية وأهمية الإعلام، عجز العالم عن معالجة جذور الصراع، والأهم أزمة البيت الفلسطيني نفسه.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا ليس:
ماذا حدث في 7 أكتوبر؟
بل:
ماذا سيفعل الفلسطينيون بعد 7 أكتوبر، حتى لا يبقى يومٌ غيّر وجه الصراع مجرد ذكرى، بل يتحول إلى بداية تشكيل نظام سياسي جديد مقاوم يستعيد المشروع الوطني، وللشعب وحده حقه في التمثيل والقرار وبناء مستقبل واعد بعد طرد الاحتلال وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة.
آخر الأخبار:
- 7 أكتوبر… اليوم الذي تغيّر فيه السؤال من كسر احتكار الرواية إلى كشف أزمة المشروع الوطني الفلسطيني: وفاء بهاني
- طلائع حرب التحرير الشعبية – قوات الصاعقة القيادة العامة
- علي الطاهر… حين تصطدم القوة بجدرانها: وفاء بهاني
- التفاوض مع عدوٍّ يحتلّ الأرض… شرعنةٌ للاحتلال : وفاء بهاني
- هندسة التصفية: كيف تتكامل الضفة وغزة والقدس والشتات في إعادة تشكيل القضية الفلسطينية وفاء بهاني
- طلائع حرب التحرير الشعبية – قوات الصاعقة منظمة الصاعقة – لبنان منطقة صور
- منسق عام جبهة العمل الإسلامي في لبنان يلتقي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في إسطنبول وتشديد على أن فلسطين ستبقى قضية الأمة المركزية
- تقديرًا لمواقف جماهيرها الداعمة لفلسطين… المخيمات بلبنان تحتفل بتتويج إسبانيا بكأس العالم
