ليست المسألة خريطةً نُشرت هنا أو تصريحًا قيل هناك، ولا هي خطأ تقني يمكن تجاوزه ببيان استنكار عابر. المسألة أكبر بكثير؛ إنها تتعلق بمشروع يُعلن نفسه أمام العالم، خطوةً بعد خطوة، وخريطةً بعد خريطة، ويفرض وقائع جديدة على الأرض، بينما يُطلب من أصحاب الأرض أن يتعاملوا معها وكأنها مجرد تفاصيل قابلة للتفاوض.
حين تنشر وزارة خارجية الاحتلال خريطةً يُقتطع فيها جزء من جنوب لبنان ويُدمج ضمن المساحة التي يقدّمها الاحتلال على أنها أرضه، فهذه ليست صورة عابرة، ولا خطأً في إعداد خريطة. الخرائط السياسية لا تُنشر اعتباطًا، ولا سيما حين تصدر عن جهة رسمية. الخريطة في هذه الحالة رسالة سياسية، وإشارة إلى رؤية جغرافية، ومحاولة لفرض صورة جديدة للواقع قبل أن تصبح واقعًا كاملًا على الأرض.
والأخطر أن هذه الخريطة لا تأتي منفصلة عن سلسلة من الخرائط والمواقف التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة. ففي الوقت الذي عُرضت فيه على المنابر الدولية خرائط تتجاهل حقيقة الاحتلال لفلسطين وتقدّم الأرض الفلسطينية ضمن تصور جغرافي واحد للاحتلال، تظهر اليوم خريطة تقتطع جزءًا من لبنان وتضعه في المساحة ذاتها.
وهنا يجب أن نتوقف طويلًا أمام السؤال: ماذا يريد العالم بعد كل هذه الإشارات؟
هل يحتاج الأمر إلى خرائط أكثر وضوحًا؟ أم إلى تصريحات أكثر صراحة؟ أم إلى احتلال الأرض فعلًا حتى يقتنع العالم بأن ما يجري ليس مجرد أمنٍ وحدودٍ ومخاوف عابرة، وإنما مشروع سياسي قائم على التوسع وفرض الأمر الواقع واستمرار حلم اسرائيل الكبرى؟
هذه الخرائط لا تُنشر عبثًا.
إنها قرائن ودلائل يقدّمها الاحتلال بنفسه، ويضعها أمام المجتمع الدولي، ويكشف من خلالها كيف يرى الجغرافيا ومستقبل المنطقة. وما بدأ باحتلال فلسطين لا يمكن التعامل معه وكأنه انتهى عند حدود فلسطين، خصوصًا حين تترافق الخرائط مع احتلالٍ قائم في أراضٍ عربية، ومع الحديث عن مناطق أمنية، ومع محاولة تحويل الاحتلال المؤقت إلى وجود دائم، ومع استبدال مفهوم الانسحاب بمفردات أخرى تخفف من حقيقة الاحتلال ولا تنهيه.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة التفاوض.
كيف يمكن أن يكون هناك تفاوض على أرضٍ تحت الاحتلال، بينما الطرف الذي يحتلها يعيد رسمها ويضمها على خرائطه؟
كيف يصبح المحتل طرفًا يتفاوض على الأرض التي احتلها، بدل أن يكون مطالبًا بالانسحاب منها؟
وكيف تتحول السيادة إلى موضوع تفاوض، بينما الأصل أن السيادة حق لا يُمنح ولا يُنتقص ولا يُساوَم عليه؟
إن التفاوض مع عدوٍّ يحتل الأرض لا ينهي الاحتلال بالضرورة؛ بل قد يتحول، عندما يغيب ميزان القوة والمرجعية الواضحة، إلى وسيلة لمنح الاحتلال شرعية سياسية، وتحويل الوقائع التي فرضها بالقوة إلى وقائع يجري التفاوض على كيفية إدارتها.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
فبدل أن يكون السؤال: متى ينسحب الاحتلال من الأرض اللبنانية؟ يصبح السؤال: ما حجم المنطقة التي سيبقى فيها؟ وبأي صيغة؟ وتحت أي تسمية؟ وبأي ضمانات؟
من الانسحاب إلى إعادة الانتشار.
ومن إنهاء الاحتلال إلى منطقة أمنية.
ومن استعادة السيادة إلى ترتيبات أمنية.
وهكذا تتغير المفردات، فتتغير معها طبيعة القضية من دون أن يتغير جوهرها.
الأرض واحدة، والاحتلال واحد، لكن اللغة السياسية تصبح أداة لإعادة تعريف الواقع.
والأرض التي يجري الحديث عنها ليست أرضًا بلا أصحاب. إنها أرض لها ناسها، وبلداتها، وبيوتها، وذاكرتها، وتاريخها، وسيادتها. وليست قطعة جغرافية يمكن لمن يحتلها أن يضمها متى شاء، أو يعيد رسم حدودها متى شاء، أو يقرر مصير أهلها متى شاء.
أي منطق هذا الذي يسمح باقتطاع أرض محتلة وضمها إلى كيان يحتل أصلًا أرضًا أخرى؟
وكيف يمكن للعالم أن يقبل بفكرة أن تُضم أرضٌ لبنانية إلى أرضٍ فلسطينية محتلة أصلًا؟
إن الاحتلال لا يكتسب السيادة لمجرد أنه رسم خطًا على خريطة.
ولا تتحول الأرض المحتلة إلى أرضٍ شرعية لمجرد أن المحتل وضع اسمها داخل حدوده.
ولا يصبح العدوان حقًا بمجرد أن يُعاد تقديمه في لغة سياسية أو أمنية.
إن المشكلة ليست فقط في الاحتلال، بل في النظام الدولي الذي يسمح للاحتلال بأن يتصرف وكأنه فوق القانون، وأن يفرض الوقائع ثم يطلب من الآخرين التفاوض عليها.
يضم ما يشاء، يهجّر من يشاء، يفرض ما يشاء، يعيد رسم الخرائط كما يشاء، ويحوّل ما يفرضه بالقوة إلى أمر واقع، بينما يبقى القانون الدولي عاجزًا عن ردعه، وتبقى السيادات والدول أمام هذا التغول عاجزة عن فرض أبسط قواعد القانون.
وهنا يصبح السؤال اللبناني مشروعًا وضروريًا:
أين الدولة؟
أين السيادة؟
أين هي السيادة التي جرى الحديث عنها طويلًا؟
كيف تُحمى السيادة بينما هناك أرض لبنانية محتلة، بينما تُنشر خرائط تقتطع جزءًا منها وتضعه ضمن مساحة الاحتلال، بينما تستمر المفاوضات من دون نتيجة حاسمة على الأرض؟
وأي سيادة هذه التي يُطلب من أصحابها أن يتفاوضوا على حدودها مع من يحتلها؟
إن الدولة التي تريد استعادة أرضها لا يمكن أن تبدأ من السؤال عن مقدار ما يسمح المحتل بإعادته. بل تبدأ من تثبيت حقيقة واحدة: هذه أرض لبنانية، والاحتلال هو الطرف الذي عليه أن ينسحب منها.
أما تحويل الانسحاب إلى عملية تفاوضية مفتوحة، وإدخال الأرض المحتلة في مساومات أمنية وسياسية، فهو يفتح الباب أمام أخطر سابقة: أن يصبح الاحتلال نفسه طرفًا في تحديد شروط إنهاء الاحتلال.
وهنا لا بد من التذكير بأن المقاومة لم تكن يومًا هي من اخترعت الاحتلال، ولم تكن هي من رسم الخرائط التوسعية، ولم تكن هي من اقتطع الأرض وفرض مناطق أمنية. الاحتلال هو الذي جاء إلى الأرض، والاحتلال هو الذي يواصل فرض شروطه.
ولهذا فإن تحميل المقاومة مسؤولية استمرار الاحتلال، بدل تسمية المحتل باسمه ومطالبته بالانسحاب، ليس إلا قلبًا للمعادلة.
المعادلة الصحيحة بسيطة وواضحة:
الأرض لأصحابها.
والسيادة للدولة.
والاحتلال عليه أن ينسحب.
ولا يجوز أن يتحول نزع عناصر القوة لدى الطرف اللبناني إلى شرط يسبق إنهاء الاحتلال، بينما يبقى المحتل نفسه فوق الأرض.
إن ما يجري اليوم يجب أن يدفع لبنان، لا إلى مزيد من التنازلات، بل إلى إعادة تعريف موقفه على أساس واضح: لا تفاوض على أصل السيادة، ولا مساومة على لبنانية الأرض، ولا قبول بتثبيت احتلال تحت أي تسمية، ولا تحويل المنطقة الأمنية إلى صيغة دائمة للاحتلال.
فالخريطة ليست مجرد خريطة.
والتصريح ليس مجرد تصريح.
والتوقيت ليس مجرد صدفة.
حين تتكرر الخرائط، وتتكرر الوقائع، وتتوسع حدود الطموح السياسي، يصبح تجاهلها مشاركة في تجاهل الحقيقة.
والحقيقة أن مشروع التوسع لا يحتاج إلى أن يعلن نفسه مرة واحدة؛ يكفي أن يكشف نفسه في كل مرة يقتطع فيها أرضًا جديدة، أو يعيد رسم خريطة جديدة، أو يحاول تحويل احتلال جديد إلى أمر واقع.
فماذا ينتظر العالم بعد ذلك؟
كم خريطة يحتاج؟
وكم أرضًا يجب أن تُقتطع؟
وكم شعبًا يجب أن يُهجّر؟
وكم مرة يجب أن يُخرق القانون الدولي حتى يصبح واضحًا أن المشكلة ليست في غياب الأدلة، بل في غياب الإرادة السياسية لمواجهة من يفرضها؟
إن الجنوب اللبناني ليس فراغًا على الخريطة، وليس منطقة أمنية قابلة للمساومة، وليس ورقة على طاولة تفاوض.
انها أرض لبنانية لها أهلها وناسها وحقها في السيادة.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: ماذا يريد الاحتلال من جنوب لبنان؟
السؤال الحقيقي هو: لماذا يُسمح له أصلًا بأن يفاوض على أرض لا يملكها؟
ولماذا يُطلب من صاحب الأرض أن يفاوض من يحتلها؟
التفاوض مع عدوٍّ يحتل الأرض لا يصنع سلامًا، إذا كان الاحتلال مستمرًا؛ بل قد يتحول إلى بوابة تمنح الاحتلال ما لم يستطع الحصول عليه بالقوة وحدها: شرعية الجلوس على طاولة تقرير مصير الأرض التي احتلها.
ولهذا نقولها بوضوح:
لا تفاوض على السيادة.
لا شرعنة للاحتلال.
لا إعادة تعريف للانسحاب.
ولا قبول بأن تتحول الأرض اللبنانية إلى رقمٍ على خريطة يرسمها المحتل.
فالأرض التي لها أصحاب، لا يملك المحتل حق بيعها أو شرائها أو ضمها أو إعادة رسمها.
والسيادة التي تُنتزع بالقوة لا تُستعاد بالتنازل.
والاحتلال، مهما طال، يبقى احتلالًا.
والخريطة، مهما حاولوا تغييرها، لا تغيّر حقيقة الأرض وأصحابها ولا تغير حقيقة الاطماع التوسعية للكيان ضمن مشروع اسرائيل الكبرى هذا الكيان القاءم اصلا على الضم والالحاق وقتل الاطفال والرضع والنساء والتهجير وعلى الابادة الجماعية والتطهير العرقي وجرائم الحرب.

شاركها.