الإطار العام
في ظل التحديات الوجودية والاستحقاقات الوطنية الكبرى التي تواجه الشعب الفلسطيني، لم يعد استمرار الجمود المؤسسي أو ابتعاد البنى الوطنية عن الإرادة الشعبية أمراً يمكن تبريره سياسياً أو قانونياً. إن إعادة بناء المؤسسات الفلسطينية على أسس ديمقراطية راسخة ضرورة وطنية، باعتبارها الضمانة لممارسة الشعب حقه في اختيار ممثليه وصوغ مستقبله.
وفي مقدمة هذه المؤسسات تأتي منظمة التحرير الفلسطينية، التي يتعين عليها استعادة مكانتها بوصفها الإطار الوطني الجامع والممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، وفق شرعية شعبية متجددة. ولا يمكن للمنظمة أن تضطلع بمسؤولياتها إلا من خلال بنية ديمقراطية شاملة تضمن المشاركة المتكافئة لجميع الفلسطينيين في الوطن والشتات، وتكفل التمثيل العادل لمختلف القوى والتيارات، بعيداً عن الإقصاء والاحتكار والتهميش.
وتجديد المنظمة لا يقتصر على هياكلها وآليات انتخابها، بل يشمل استعادة أسسها الوطنية عند التأسيس: إطاراً جامعاً يقود نضال الشعب من أجل التحرير والعودة وتقرير المصير، ويجعل من مقاومة الاحتلال هدفاً مركزياً. فالديمقراطية المنشودة ليست بديلاً عن المشروع الوطني التحرري، وإنما أداة لتعزيزه وتوسيع المشاركة الشعبية في حمله والدفاع عنه.
ولأن الانتخابات لا تنجح بالإجراءات وحدها، فلا بد أن تسبقها إرادة سياسية جادة وحوار وطني شامل يضم ممثلي الشعب في الداخل والخارج. يهدف هذا الحوار إلى التوافق على الإطار الناظم للعملية الانتخابية: قواعدها القانونية، ضماناتها المؤسسية، آليات تنفيذها، ومعايير التمثيل العادل. فالتوافق الوطني هو ركيزة بناء الثقة وضمان استقرار العملية وقبول نتائجها.
مبادئ وشروط الانتخابات
الانتخابات المنشودة عملية ديمقراطية متكاملة، لا إجراء شكلي. تستند إلى مبادئ الحرية والنزاهة والاستقلالية والشفافية، وتُدار من هيئة انتخابية مستقلة ومحايدة تتمتع بالولاية القانونية الكاملة وتخضع لرقابة فعالة في جميع مراحلها.
ويقوم النظام الانتخابي على التمثيل النسبي الكامل والعادل، بما يعكس التكوين الحقي للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويراعي التوزيع المنصف للتمثيل بين تجمعاته بما ينسجم مع حجمها الديمغرافي ودورها الوطني.
وتحقيق العدالة الانتخابية يتطلب:
1. قاعدة بيانات وطنية دقيقة تستند إلى إحصاء سكاني شامل وشفاف يشمل الفلسطينيين كافة أينما وجدوا.
2. صون حق المشاركة السياسية لكل من ينتمي للشعب الفلسطيني عبر الأب أو الأم، باعتباره حقاً أصيلاً لا يجوز الانتقاص منه.
3. وسائل اقتراع حديثة وآمنة، وفي مقدمتها التصويت الإلكتروني بمعايير تقنية وقانونية موثوقة، لتمكين من يتعذر وصولهم إلى مراكز الاقتراع.
الشرعية
شرعية الانتخابات لا تُقاس بصناديق الاقتراع وحدها، بل تستمد مشروعيتها من اربعه ركائز:
شمولية المشاركة، عدالة التمثيل، شفافية الإجراءات، واستقلالية الجهات المشرفة. والانتخابات الحرة هي المصدر الأساسي للشرعية السياسية والوطنية، فلا يجوز لأي مؤسسة أن تدّعي تمثيل الشعب أو ممارسة صلاحياته دون تفويض ديمقراطي صريح مستمد من إرادته الحرة.
أي عملية انتخابية تستثني جزءاً من الشعب، أو تُجرى ببيانات غير دقيقة، أو تفتقر للرقابة المستقلة، أو تخضع لضغوط تمس استقلال القرار الوطني، تفقد مقومات الشرعية السياسية والقانونية ولا تفضي إلى مؤسسات تمثل الفلسطينيين تمثيلاً حقياً.
إن استعادة منظمة التحرير لدورها التاريخي مرهونة بإجراء انتخابات ديمقراطية شاملة وعادلة، قائمة على التمثيل المنصف والشراكة الوطنية والاحتكام للإرادة الشعبية. وعندها فقط يمكن للمنظمة أن تستعيد مكانتها كإطار جامع يوحد الطاقات في سبيل تحقيق أهداف الشعب في الحرية والعودة وتقرير المصير والاستقلال.
اياد عبد العال
