في عالمٍ يموج بالضجيج، يبرز صوتٌ يشبه مدينةً لا تُهزم… صوت وفاء بهاني، ابنة عكا قاهرةِ نابليون، التي حملت قَدَرَ اللجوء وحوّلته إلى رسالةٍ إعلامية تكتب بها حضور فلسطين في الذاكرة العربية. ليست مجرد إعلامية؛ بل امرأة صنعت لنفسها مكاناً بين الكلمة والموقف، لتثبت أن المرأة الفلسطينية قادرة على أن تكون جبهة كاملة وحدها.
في ذاكرة المدن التي لا تنطفئ، تقف عكا شامخةً كعادتها… مدينةٌ قهرت نابليون، وحملت في حجارتها روحاً لا تُقهر. ومن بين أبنائها خرجت وفاء بهاني؛ الإعلامية الفلسطينية التي حملت البحر في صوتها، والمدينة في نبضها، والوطن في سردها
لم تكن طفولتها عادية… فهي ابنة الشهيد إسماعيل بهاني، الذي رحل وهي في الثامنة من عمرها، لكن أثره لم يغادرها يوماً. حكى لها أقاربها كيف كان يقفز من سور عكا نحو البحر، كأنه يهرب إلى الحرية ليُورّثها إياها. ومعه بدأت حكاية القوة والانتماء… الحكاية التي صنعت امرأة لا تشبه أحداً.
ترعرعت وفاء في بيتٍ سياسيّ ومثقّف… بين والدٍ شهيد، وأمٍ لبنانية الجذور تربّت في مخيم البداوي، وعمّةٍ حملت لها أولى أسرار السياسة. في هذا البيت تعلمت معنى النضال، ومعنى أن تكون فلسطينية لا تساوم، ومعنى أن تحمل همّ الوطن قبل أن تتعلم الهجاء
.منذ صغرها، كان ميولها واضحاً: التحليل، والرصد، وفهم العالم. ومنذ سبعة عشر عاماً خطّت أول الطريق، طريق الإعلام الذي لم يكن يوماً مهنة بالنسبة لها… بل رسالة. رسالة شعب، ووجع أمّة، وذاكرة لا تُمحى.
واجهت النظرة المسبقة، والأبواب المغلقة، والحدود التي بُنيت حول الفلسطيني قبل أن تُبنى الدول، لكنها فتحت الأبواب بكفاءتها، وصقلت حضورها بمهنيتها، وفرضت نفسها في منصّات كانت تُحجب طويلاً عن أبناء المخيمات. فكان عملها هو الذي قدّمها… وكانت فلسطين هي التي دفعتها للمضيّ
غطّت القمة العربية في الجزائر سنة 2022، وواكبت الانتخابات الرئاسية هناك سنة 2024، وأصبحت ضيفة دائمة على التلفزيون الجزائري الرسمي كمحللة سياسية قادرة على حمل التعقيد على كتفيها. ولطالما ردّدت أن قلبها يحنّ للجزائر، تلك البلاد التي احتفت بفلسطين فاحتفت هي بها.
وفي لبنان، حيث حملت معها قَدَرَ اللجوء، تحوّلت وفاء من “لاجئة” إلى “صوت وطني مُعترف به رسمياً”، إذ تم اعتمادها صحفية في رئاسة الجمهورية اللبنانية عام 2025، حيث غطّت انتخابات الحكومة بجرأة ومسؤولية جعلتا حضورها محطة فارقة في مسيرتها
أسّست مركز “قبة الصخرة للإعلام والبحوث”، مركزاً يُعنى بالشأن الفلسطيني، وفتحت أبوابه لرموز فكرية وروحية من وزن الشيخ عكرمة صبري، والمطران عطالله حنّا، والأب مانويل مسلم، والدكتور سيف دعنا. لم تكن تستضيف ضيوفاً… بل كانت تجمع رؤى، وتُحيي ذاكرة، وتكتب رواية فلسطين من جديد
بين القلم والميكروفون، كانت وفاء تحمل فلسطين بكل تفاصيلها: الأسرى، والأمهات، والشباب، والوجع. وقفت إلى جانب الأسرى بإضرابٍ دام 12 يوماً تضامناً معهم، لتقول إن الصحفي ليس ناقل خبر فقط، بل شريك في الحقيقة، وفي المعركة الأخلاقية قبل السياسية.
وفاء بهاني ليست مجرد إعلامية…
هي ابنة مدينة قاومت نابليون،
وابنة شهيد أورثها العناد،
وابنة أمّ ربّت في قلبها المخيم،
وأختٌ لرجال حملوا الثورة في حبرهم وفي أجسادهم.
هي المرأة التي أثبتت أن الفلسطينية لا تنتظر من يمنحها مكاناً… بل تخلقه.
وأن الكلمة قد تكون خندقاً، والمنبر قد يتحوّل ساحةً، والإعلام ليس وظيفة… بل أرضاً تُستعاد كل يوم.
تحلم وفاء اليوم بأن يفتح مركز “قبة الصخرة” فرعاً في عكا.
تحلم أن تعود لتكتب من هناك، من حجارة المدينة، من بحرها… لأن العودة ليست قراراً جغرافياً فقط، بل قدرٌ لا يمكن لأحد أن يمنعه.
وفي زمن تُحاصر فيه الحقيقة، تبقى وفاء واحدة من النساء الفلسطينيات اللواتي حملن رسالتهن بصلابة…
نساءٍ كتبن بأصواتهن ما عجزت السيوف عن كتابته.
نساءٍ أثبتن أن فلسطين لا تُحمل باليد فقط… بل بالقلب، وبالكلمة، وبالإصرار الذي لا يعرف السكون.
وفاء بهاني ليست قصة فردية… بل انعكاسٌ لامرأة فلسطينية تعرف كيف تحوّل الوجع إلى قوّة، والقضية إلى فعل يومي. من عكّا إلى لبنان فالجزائر، بقيت فلسطين بوصلتها التي لا تنحرف. ومع كل خطوة تخطّها، تُذكّرنا بأن العودة تبدأ من الصوت… من الكلمة… ومن امرأة آمنت بأن النضال لا يغيب ما دام هناك قلب يخفق باسم الوطن.
محمود كلّم، كاتبٌ وباحثٌ فلسطينيّ، يكتب في الشأنين السياسيّ والوجدانيّ، ويُعنى بقضايا الانتماء والهويّة الفلسطينيّة. يرى في الكلمة امتداداً للصوت الحرّ، وفي المقال ساحةً من ساحات النضال
